في تصنيف مشاهير واخبار بواسطة
ما هو عيد شم النسيم

قديمًا كان من المعتاد عليه لدى المصريون القدماء الاحتفال بحلول فصل الربيع، فقد كان يتم الربط بين الحدث، وبين فيضان نهر النيل، وكانوا يحددون موعده عن طريق حسابات فلكية معقدة ومع دخول وانتشار المسيحية في مصر، ارتبط عيد القيامة الموافق يوم الأحد من كل عام، بموسم الربيع وهو ما جعل احتفال المصريون المسيحيون مؤجلًا مع احتفالاتهم بشم النسيم إلى ما بعد عيد القيامة، كي يتمكنوا من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. يعتبر عيد القيامة أحد أهم الأعياد الدينية لدى المسيحيين، والذي يتم الاحتفال به لما يمثله من انتصار المسيح على الموت، إذ ارتبط بعيد القيامة لكونه يُمثل بداية فصل الربيع، وهو رمز للتجديد والحياة، وبالتالي أصبح من المعتاد لدى المصريين أن يوافق شم النسيم اليوم التالي لعيد القيامة، أي يوم الإثنين. جديرًا بالذكر أن هذا التوافق لا يعتبر قاعدة ثابتة، فقد يختلف توافق التواريخ معًا في بعض السنوات، وذلك لاختلاف موعد عيد القيامة من عام لآخر وفقًا لحسابات الكنيسة المسيحية. تأجيل شم النسيم لازلنا نتعرف على ما هو السبب في توافق شم النسيم مع يوم الإثنين، إذ لا يتم تأجيل شم النسيم بشكل رسمي فهو عيد قومي مصري يرتبط بظاهرة طبيعية وهي اعتدال الربيع الشمسي، وهو غير محدد بتاريخ. وإنما يقرره البرلمان أو الحكومة المصرية ويختلف التاريخ من عام لآخر بأسباب فلكية متعلقة بحسابات اعتدال الربيع الشمسي في بعض السنوات، فقد يوافق شَم النسيم يوم الإثنين أو يوم الثلاثاء أو الأربعاء أو غيرهم من أيام الأسبوع خلال سنوات أخرى، فعلى سبيل المثال:

في عام 2024 يوافق شم النسيم يوم الإثنين 6 مايو. بينما في عام 2025 سيكون يوم الثلاثاء 29 أبريل. لذلك لا يمكن الجزم بشكل دقيق أنه يتم تأجيله، بل يتغير تاريخه بشكل طبيعي بحسب الحسابات الفلكية المحددة.

شهدت مصر القديمة أعيادا دينية واجتماعية وزراعية، اختلطت شعائرها الاحتفالية بطقوس خاصة ميزتها عن سائر حضارات الشرق القديم، منها أعياد اندثرت لأسباب تاريخية ودينية، وأخرى كُتبت لها الحياة في ذاكرة المصريين حتى الآن كعيد شم النسيم، الذي يحتفل به المصريون منذ نحو 4700 عام.

ويأتي عيد شم النسيم على قائمة الأعياد الزراعية في مصر القديمة، واصطبغ بمرور الوقت بصبغة اجتماعية ذات صلة بالطبيعة، كما يتضح من اسمه "شمو" في اللغة المصرية القديمة، الهيروغليفية، وهي نفس الكلمة التي أطلقها المصريون القدماء على فصل الصيف، وتحمل أيضا معنى "الحصاد". وتحولت الكلمة إلى "شم" في اللغة القبطية، التي تعد مرحلة متأخرة من الكتابة المصرية القديمة، لكن بأحرف يونانية.

في حين يرى بعض المتخصصين في اللغة المصرية القديمة أن تسمية "شم النسيم" تنطوي على تركيب لغوي كامل في اللغة المصرية القديمة هو "شمو (حصاد)- ان (ال)- سم (نبات)"، في دلالة واضحة على عدم تحريف الاسم المصري الأصلي بإدخال كلمة "نسيم" العربية، التي يعرّفها المعجم بأنها "ريح لينة لا تحرك شجرا"، للإشارة إلى اعتدال الجو ومقدم فصل الربيع.

واختلف العلماء في تحديد بداية واضحة ودقيقة لاحتفال المصريين بعيد "شم النسيم"، فمنهم من رأى أن الاحتفال بدأ في عصور ما قبل الأسرات، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم. ورأى آخرون أنه يرجع إلى عام 4000 قبل الميلاد، إلى أن استقر أغلب الرأي على اعتبار الاحتفال الرسمي به في مصر قد بدأ عام 2700 قبل الميلاد، مع نهاية عصر الأسرة الثالثة وبداية عصر الأسرة الرابعة، وإن كانت هذه الآراء لا تنفي ظهوره في فترة سابقة ولو في شكل احتفالات غير رسمية.

المومياوات الملكية: رحلة ملوك مصر القديمة من الموت إلى "الخلود"

شهر رمضان في مصر بعيون الرحّالة والمستشرقين

قسّم المصري القديم فصول السنة، التي أطلق عليها كلمة "رنبت"، إلى ثلاثة فصول فقط، ارتبطت بالدورة الزراعية التي اعتمدت عليها حياته بالكامل وهي: فصل الفيضان الذي أطلق عليه "آخت"، وهو يبدأ من شهر يوليو/تموز، وفصل بذر البذور "برت"، ويبدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وفصل الحصاد "شمو" الذي يبدأ في شهر مارس/آذار.

لم تكن حياة المصري قديما مقصورة على إقامة الشعائر الدينية، مجردة من الاستمتاع بمباهج الحياة ونشر روح البهجة، فقد حرص في أكثر من مناسبة على تأكيد مفهوم البهجة في نصوصه الأدبية، كهذا المقتطف الذي يطلق عليه "أناشيد الضارب على الجنك"، وهو مقتطف يُظهر قدر تمسك المصري بكل ما يشع بهجة للإنسان في حياته وفي محيط أسرته، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها العالمة كلير لالويت، للنص المصري القديم:

"اقض يوما سعيدا، وضع البخور والزيت الفاخر معا من أجل أنفك، وضع أكاليل اللوتس والزهور على صدرك، بينما زوجتك الرقيقة في قلبك جالسة إلى جوارك. فلتكن الأغاني والرقص أمامك، واطرح الهموم خلفك. لا تتذكر سوى الفرح، إلى أن يحلّ يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت".

اعتبر المصريون القدماء عيد "شم النسيم" بعثا جديدا للحياة كل عام، تتجدد فيه الكائنات وتزدهر الطبيعة بكل ما فيها، كما اعتبروه بداية سنة جديدة "مدنية"، غير زراعية، يستهلون به نشاطهم لعام جديد. وكانت الزهور وانتشار الخضرة بشيرا ببداية موسم الحصاد، فكانوا يملأون مخازن الغلال بحصاده، ويقدمون للإله الخالق خلال طقوس احتفالية سنابل القمح الخضراء، في دلالة رمزية على "الخلق الجديد" الدال على الخير والسلام.

وحمل عيد "شم النسيم" طابع الاحتفال الشعبي منذ عصور قديمة للغاية، سجلها المصري في نقوشه على جدران مقابره، ليخلّد ذكرى نشاطه في ذلك اليوم، فكان الناس يخرجون في جماعات إلى الحدائق والحقول للتريض، والاستمتاع بالزهور والأخضر على الأرض، حاملين صنوف الطعام والشراب التي ارتبطت بهذه المناسبة دون غيرها، وحافظ عليها المصريون حتى الآن، في مشهد موروث ومستنسخ كل عام لعادات مصرية قديمة غالبت الزمن.

وترمز البيضة إلى التجدد وبداية خلق جديد في العقيدة الدينية المصرية، فهي منشأ الحياة، وقناة خروج أجيال من الكائنات، وأصل كل خلق، ورمز كل بعث. أطلق المصري عليها "سوحت"، وذكرها في برديات الأدب الديني القديم عندما اعتقد أن الإله "خلق الأرض من صلصال في هيئة بيضة، ودب فيها الروح، فبدأت فيها الحياة". لذا كانوا يقدمون البيض على موائد القرابين لدلالته الرمزية والدينية على حد سواء.

كما تظهر أهمية البيضة في هذا المقتطف من أنشودة أخناتون، التي يمتدح فيها الإله، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها لالويت للنص المصري القديم:

"أنت الذي يهب الحياة للابن في بطن أمه، وتخفف روعها وتجفف دموعها، وتمده بالغذاء في بطن أمه، واهبا الهواء لتحيا به جميع المخلوقات، وعند نزوله في يوم ولادته، تفتح فمه وتمنحه احتياجاته. والفرخ في العش يزقزق في بيضته، لأنك أنت من الآن تمنحه من خلالها نسمات تعطيه الحياة، وتشكله بالكامل، ليتمكن من تحطيم قشرة البيضة، ويخرج يزقزق سائرا على رجليه".

ونُسب إلى الإله "بتاح" أنه خالق البيضة التي أخرجت الشمس، بحسب العقيدة المصرية القديمة، فكانت البيضة رمزا للشمس المتجددة كل يوم ومبعث الحياة كلها، وكان المصري ينقش على البيضة أمنياته الخاصة، ويضعها في سلة مصنوعة من سعف النخيل، ليحظى بإطلالة نور الإله عند إشراقه متجسدا في نور الشمس في يوم العيد كل عام.

طقوس الطعام"

دأبت النقوش المصرية على تصوير مناظر تبرز موائد وأطعمة كثيرة، تتسم بالبذخ أحيانا من نصيب الطبقات العليا في المجتمع المصري، أمثال الوزراء والكهنة وكبار الموظفين وأصحاب الأراضي، أما عامة الشعب فكانوا ينتظرون الأعياد والمناسبات الاحتفالية لتناول كل ما لذ وطاب لهم من مأكل ومشرب في حدود الإمكانات.

وحرص المصري القديم على أن تضم قائمة طعامه في "شم النسيم" عددا من الأطعمة التي لم يكن اختيارها محض عشوائية أو صدفة بحتة، بل كانت تحمل مدلولا دينيا وفكريا ارتبط بعقيدته خلال احتفاله بالمناسبة، من بينها أطعمة أساسية كالبيض، والسمك المملح (الفسيخ)، والبصل، والخس، والحُمص الأخضر (الملانة).

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة
 
أفضل إجابة
وحرص المصري على تناول السمك المملح (الفسيخ) في هذه المناسبة مع بداية تقديسه نهر النيل، الذي أطلق عليه "حعبي" بدءا من عصر الأسرة الخامسة، فضلا عن ارتباط تناوله بأسباب عقائدية تنطوي على أن الحياة خُلقت من محيط مائي أزلي لا حدود له، خرجت منه جميع الكائنات، أعقبه بعث للحياة ووضع قوانين الكون.

وبرع المصريون في صناعة السمك المملح، وكان يخصصون لصناعته أماكن أشبه بالورش كما يتضح من نقش في مقبرة الوزير "رخ-مي-رع" في عهد الأسرة 18، وتشير بردية "إيبرس" الطبية إلى أن السمك المملح كان يوصف للوقاية والعلاج من أمراض حمى الربيع وضربات الشمس.

وأولى المصريون أهمية كبيرة لتناول نبات البصل، الذي أطلقوا عليه اسم "بصر"، خلال الاحتفال بعيد "شم النسيم" اعتبارا من عصر الأسرة السادسة، لارتباطه بأسطورة قديمة تحدثت عن شفاء أمير صغير من مرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، وكان البصل سببا في الشفاء بعد أن وُضع النبات تحت وسادة الأمير، واستنشقه عند شروق الشمس في يوم وافق احتفال المصريين بعيد "شم النسيم" فكُتب له الشفاء، فأصبح تقليدا حافظ عليه المصريون حتى الآن.

كما حمل تناول المصري القديم لنبات الخس في هذه المناسبة دلالة رمزية وعقائدية أخرى، لارتباط هذا النبات بالإله "مين"، إله الخصوبة والتناسل. كما أشارت بردية "إيبرس" الطبية إلى فائدة تناوله كعلاج لأمراض الجهاز الهضمي.

أما الحمُص الأخضر، المعروف باسم "الملانة"، فقد عرفته عصور الدولة القديمة، وأطلق عليه المصريون اسم "حور-بك"، وكان يحمل دلالة عقائدية على تجدد الحياة عند المصري، لأن ثمرة الحمُص عندما تمتليء وتنضج، ترمز عنده بقدوم فترة الربيع، فصل التجدد وازدهار الحياة.

بقاء لا نهاية له"

نقل المصريون قديما الاحتفال بعيد الحصاد، "شم النسيم"، وطقوسه إلى حضارات الشرق القديم في عهد الملك تحوتمس الثالث (1479-1425 قبل الميلاد) وفتوحاته العسكرية، التي أسهمت في توسع الإمبراطورية المصرية جغرافيا وخروجها بعيدا عن نطاق حدود الدولة المصرية، ونشر عادات وتقاليد مصرية غريبة عن هذه الحضارات، فكُتب لها الاستمرار وإن حملت أسماء مختلفة.

وروجت مصر عقائدها واحتفالاتها بنفس الفكر العقائدي المحلي، كما حمل عيد الحصاد نفس مفهوم تجدد الحياة وبداية الخلق كل عام في حضارات الشرق القديم، واعتبرته شعوب تلك الحضارات بداية لسنة جديدة لبعث الحياة، كما حدث في الحضارات البابلية والفارسية والفينيقية.

ويعتبر عيد "شم النسيم" الاحتفال الوحيد الذي جمع المصريين بمختلف عقائدهم الدينية منذ آلاف السنين، دون أن يلبس ثوبا عقائديا على الإطلاق. إن المشهد التاريخي في مصر يُؤْثر التصورات الذهنية التي غالبت الأيام، بعد أن ظلت أرضها المركز الأول لكل حياة، حياة الآلهة وحياة البشر، فكل شئ ينطلق انطلاقا من هذا المكان.

وتقول لالويت عن الفكر المصري قديما: "تغلغل الإيمان إلى أعماق أعماق هذا الشعب، فكان الكون بأكمله بمختلف عناصره: أحياء أو جماد، بشر أو حيوانات، كونا إلهيا... الدين موجود في كل عنصر من عناصر الحضارة المصرية القديمة، إنه دين الأمل والرجاء، تصوروا الموت مجرد رحلة إلى أبدية إلهية، وحافظوا على إقامة الشعائر، بما يضمن لهم البقاء على قيد الحياة بقاء لا نهاية له".
مرحبًا بك إلى صديق الحلول، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...