في تصنيف منوعات بواسطة
مقالة الشعور واللاشعور:

طرح المشكلة

إذا كنا نحكم على الإنسان بأنه الكائن الحي الوحيد القادر على التحكم في سلوكاته وتوجيهها بشكل حر ومسؤول، فإن ذلك يعود مبدئيا إلى أنه كائن واع لذاته الباطنية من جهة، ولما يحيط بها في العالم الخارجي من جهة أخرى، فلولا الوعي ( الشعور ) لما كان حرا ولا مسؤولا ، بل ولا منتجا لأفكار ولا مبدعا لثقافة وحضارة. وانطلاقا من كون الإنسان كائنا معقّدا صعب التحليل والتفسير عكس الكائنات الحية الأخرى، فإنه تتخطّفه العديد من الأحداث النفسية خارجة عن وعيه في الكثير من الأحيان والحالات، والإشكال المطروح: هل هذا يعني أن الشعور مصباح يضيء كل جوانب الحياة النفسية ؟ ألا يوجد فينا مجال مظلم لا تتسرب إليه أضواء هذا المصباح ؟

محاولــــــة حــــلّ المشكلــــــــــة:

الموقف الأوّل: الشعور أساس الحياة النفسيّة.

 يرى أنصار النظرية الشعورية من أمثال ديكارت وبرغسون والسلوكية من مثل: واطسن وغيرهم أنّ الحياة النفسية حياة شعوريّة فحسب ولا مجال لاعتبارات أحرى، وكان الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت (1596 ـ 1650) من بين الفلاسفة الذين عبروا عن هذه النظرية ، حيث انطلق من مسلمة أولوية الفكر على الوجود وبين أن النفس البشرية لا تنقطع عن التفكير إلا إذا انعدم وجودها، وقد أكد ديكارت على أنه (( لا توجد حياة نفسية خارج الروح إلا الحياة الفيزيولوجية )) وأن الشعور باعتباره حدسا يقدم لنا معرفة تامة ولا يخطئ في معرفة ما يجري من حوادث في عالمنا الداخلي وفقدان الشعور بها دليل قاطع على زوالها ، إذ لا وجود لحياة نفسية لا نشعر بها بدليل أننا لا نستطيع القول بأن الإنسان يشعر في هذا الحال ولا يشعر في ذاك ، مادام الاستمرار من خصائص الشعور. كما يقول آلان : (( إن الإنسان لا يستطيع أن يفكر دون أن يشعر بتفكيره ))، وهذا ما رآه من قبل ابن سينا (980 ـ 1037م) وأوضح أن الإنسان السوي إذا ما تأمل في نفسه يشعر أن ما تتضمنه من أحوال في الحاضر هو امتداد للأحوال التي كان عليها في الماضي ، وسيظل يشعر بتلك الأحوال طيلة حياته ، لأن الشعور بالذات لا يتوقف أبدا . إذن الشعور هو أساس الحياة النفسية من بدايتها إلى نهايتها ، والقول بوجود حياة نفسية لا شعورية هو من باب الجمع بين النقيضين في الشيء الواحد ، فإذا كانت الحياة النفسية في جوهرها شعورية فمن المستحيل أن تكون لا شعورية ، وما دام الأمر كذلك فالشعور يبقى الأساس الوحيد للحياة النفسية .

   نقد: إن هذه الفكرة قوبلت باعتراض لمّا طابقت بين النفس والشعور إذ ليس كل ما هو نفسي شعوري ، بل إن ما هو نفسي أوسع مما هو شعوري ، وقد بينت معطيات علم النفس الحديث أن الحياة النفسية ليست مطابقة دائما للحياة الشعورية ، حيث برهن علماء النفس على أن ماهو نفسي قد يكون مطابقا لما هو شعوري في بعض الحالات، لكن قد يتطابق مع أمر آخر لا شعوري ، فهناك أفعالا يقوم بها الإنسان بكيفية عفوية آلية دون تدخل من الشعور الواعي ويطلق عادة على مثل هذه الأفعال باللاشعور . فما هو اللاشعور ؟

   الموقف الثاني: اللاشعور هو أساس الحياة النفسيّة  

 يرى العديد من علماء النّفس والفلاسفة أنّ الحياة النفسية لها جانب مظلم وخفيّ وهو أساسها والأكثر تأثيرا فيها وهو اللاشعور، ويعتبر الفيلسوف الألماني ليبنتز ( 1646 ـ 1716 ) أول من أكد وجود إدراكات لا شعورية واتبعه في ذلك فلاسفة آخرون أمثال شوبنهاور وهاملتون، لكنهم برهنوا على وجود هذه الحالات اللاشعورية برهانا عقليا لم يصمد أمام النقد بسبب تناقض فكرة اللاشعور مع وجود النفس المستند إلى الشعور، إذ كيف تقول عن شيء لا تشعر به أنه موجود؟ لكن لجوء علم النفس في القرن 19 إلى التجريب وتحول علماء النفس من دراسة الشعور إلى دراسة السلوك والتركيز على وحدة الحادثة النفسية ووحدة الشخصية وتكاملها ،وهذا ما جعل الأطباء في القرن 19 يفكرون في المشكلة التي كانت مطروحة وتتعلق بمعالجة مرض الهستيريا، فقد كانوا يرون أن الاضطرابات النفسية والعقلية ترجع إلى أسباب عضوية يمكن علاجها بوسائل مادية كالعقاقير . ولكن الطب في الواقع لم يهتد إلى الأسباب العضوية المفترضة مما حمل بعض الأطباء وفي مقدمتهم بيرنهايم  

 ( 1837 ـ 1919 ) على إرجاعها إلى أسباب نفسية ، فلجأوا إلى استخدام التنويم المغناطيسي لمعالجة مرض الهستيريا ، وهذا ما لفت انتباه الطبيب النمساوي سيغموند فرويد ( 1859 ـ 1939 ) الذي انشغل بالمشكلة وتتبع معالجة مرض الهستيريا بواسطة التنويم المغناطيسي ، فسافر إلى باريس سنة 1885 لمشاهدة تجارب شاركو (1825 ـ 1913) في التنويم المغناطيسي . ولكن متابعته للتجارب التي قام بها رفيقه الطبيب جوزيف بروير ( 1842 ـ 1925 ) لمعالجة المرض نفسه قد برهنت له بما فيه الكفاية على أن أعراض مرض الهستيريا مصدرها بعض الخبرات الماضية التي ترجع إلى الشعور أثناء عملية التنويم ،فقد لاحظ بروير أن المريض إذا تذكر مرضه شفي منه وزالت عنه أعراضه ، كما لاحظ أنه بالإمكان تخليص المريض من بعض الاضطرابات عن طريق التعبير عما يشعر به . ومن هنا استنتج فرويد أن هناك علاقة وطيدة بين بعض الأعراض العصبية والذكريات المنسية وهي العلاقة التي كشف عنها التنويم . لكن نتائج العلاج بالتنويم كانت محدودة لأن المريض سرعان ما يعود إلى ما كان عليه ، كما أن بعض المرضى ليس لهم قابلية للتنويم مما جعل فرويد يتخلى عنه ويبحث عن وسيلة أخرى ، فاهتدى إلى منهج التحليل النفسي. ويعتبر فرويد المؤسس الحقيقي لمدرسة التحليل النفسي ، والتحليل النفسي هو بمثابة منهج علاجي ، ونظرية في تفسير الأحوال النفسية والأمراض العصابية المختلفة، ويقوم على قاعدة أساسية تعتمد كأسلوب للعمل هي (( طريقة التداعي الحر ))، التي تقتضي على المريض أن يبوح ويفصح عن كل شيء يجري في ذهنه ونفسه وقد تأكد فرويد من أن أعراض مرض الهستيريا تنشأ نتيجة لإخفاء بعض الذكريات والأحداث المكبوتة ، وأن تذكر هذه الذكريات والأحداث أثناء التداعي يساعد كثيرا على زوال الأعراض التي يعاني منها المريض ، وهذا ما مكنه في النهاية من اكتشاف عالم اللاشعور وقد أزاح بذلك الستار عن وجود حوادث نفسية أخرى تقابل الحوادث الشعورية، ويتلخص مفهوم اللاشعور عند فرويد في تلك الحوادث النفسية الباطنية التي تؤثر في سلوك الإنسان ، وتجعله يقوم بحركات وتصرفات دون وعي ، وقد استدل فرويد على وجود اللاشعور من خلال الوقائع التالية : تتمثل أولا في النسيان وفقدان الذاكرة فنحن أحيانا ننسى لأننا لا نريد لا شعوريا تذكر حادث أو شيء ما لم يسببه لنا تذكره من آلام أو لأننا لا نرغب فيه . وتتمثل ثانيا في أخطاء الإدراك فنحن أحيانا ندرك بعض الوقائع لا كما هي في الواقع بل كما نرغب نحن أن تكون ، فنكون في مثل هذه الحالات عاكسين لرغبات مكبوتة لدينا على وقائع ومواقف جديدة فنراها كما لو أنها معروفة لدينا. وتتمثل ثالثا في تداعي الأفكار فاللاشعور كثيرا ما يتدخل في توجيه أفكارنا المتداعية دون قصد منا كأن أكون مشغولا مثلا بموضوع معين ويحدث أن أسمع اسم شخص يماثل اسم شخص آخر عزيز علي أو مكروه لدي كرها شديدا فيتجه فكري دون شعور مني إلى تذكر تجربتي مع ذلك الشخص كيف التقيت به ؟ وأين ؟ ومتى ؟ ومن كان معنا ؟ وكيف افترقنا ؟ ،وتتمثل رابعا في العواطف التي لا تتعرف عليها إلا في ظروف خاصة تدفعها للظهور فجأة وبشكل حاد كمن يحب شخصا بصورة مفاجئة وبمرور الزمن يكتشف أنه كان مخطئا في حبه ذلك وتتمثل خامسا في الأحلام فنحن كثيرا ما نقوم في أحلامنا بأعمال كنا في يقضتنا عاجزين عنها بسبب غفلة الرقيب المشرف على تنظيم المرور بين الشعور واللاشعور.

  وقد حلل فرويد العلاقة بين الأقسام الثلاثة للحياة النفسيّة وهي: الأنا الأعلى، الأنا، والهو ، وبين أن العلاقة بين الهو والأنا الأعلى هي علاقة تناقض ، ذلك أن الميول والرغبات المتولدة عن الليبيدو تسعى دائما إلى التعبير عن ذاتها في الواقع وتحقق مطالبها بطريقة مباشرة ولكن الأنا الأعلى بمختلف محتوياته يقف في وجهها ويمنعها من الخروج إلى ساحة الشعور فلا تظهر ولا تتحقق ، إذن هناك صراع مستمر بين الدوافع اللاشعورية وبين الأنا الأعلى ، ولكن الأنا أو الشعور يتدخل وينظم العلاقة بينهما فهو من جهة يخضع لأوامر ونواهي الأنا الأعلى ولا يخالفها ، وهو من جهة ثانية يراقب الدوافع اللاشعورية ولا يسمح بالخروج إلا للدوافع المعقولة التي يرضى عنها الأنا الأعلى أما الدوافع المحرمة والممنوعة فيكبتها ، وعلى هذا الأساس فالشعور هو مصدر أو أساس التوافق بين الهو والأنا الأعلى وفشله في إحداث التوازن بينهما يؤدي في نظر فرويد إلى تكوين العقد والأمراض النفسية ، وإذا كان الشعور هو مجرد حارس ، وكان الأنا الأعلى عائقا بالنسبة لإشباع الميول والرغبات ، فهذا يعني أن اللاشعور مصدر نشاط الإنسان وفعاليته في مختلف الميادين فهو إذن الأساس المتين الذي تقوم عليه الحياة النفسية عند فرويد .

   نقد: إن المبالغات التي حفل بها التحليل النفسي مع مؤسسه الرائد قد أدت إلى الشك في الطبيعة العلمية لفرضية اللاشعور، بل أن تلاميذ المدرسة كانوا أول من عارضوا هذه النظرية ، فالفريد آدلر رأى أن اللاشعور ليس مرده إلى الليبيدو، بل هو راجع إلى الشعور بالقصور، فالمصاب بقصور عضوي يسعى إلى تعويض هذا القصور ، وكل ما فسره فرويد بالكبت فسره آدلر بعقدة القصور، أما كارل يونغ فقد عارض هو الآخر أستاذه ورأى أن النظرية الجنسية كما وضعها فرويد غير كافية لأنها لا تتناول إلا جانبا واحدا من المشكلة، فينبغي أن تضاف إليها الحاجة إلى السيطرة، وبذلك فقد وضع نظرية في اللاشعور الجمعي، فلا شعورنا ليس مليئا بالأزمات التي نكون قد عشناها أثناء طفولتنا فقط، بل وكذلك بالأزمات التي مرت بها الإنسانية جمعاء. وفضلا عن ذلك فقد بلغ الاعتراض على نظرية التحليل النفسي إلى حد أن هناك من أنكر حتى وجود اللاشعور، فهذا الطبيب النمساوي ( ستيكال ) الذي قال: (( لا أومن باللاشعور، لقد آمنت به في مرحلتي الأولى، لكنني بعد تجاربي التي دامت ثلاثين سنة وجدت أن كل الأفكار المكبوتة إنما تحت شعورية، وأن المرضى يخافون دائما من رؤية الحقيقة )). كما يرفض ( سارتر ) فكرة اللاشعور، ويعتبره مجرد خداع، حيث يرى أن السلوك الإنساني يجري دائما في مجال الشعور.

  

التركيـــــــــــــــــــــــــب:

وهكذا يتجلى بوضوح ، أن الحياة النفسية كيان معقد يتداخل فيه ما هو شعوري بما هو لاشعوري ، أي انها بنية مركبة من الشعور واللاشعور ، فالشعور يمكننا من فهم الجانب الواعي من الحياة النفسية ، واللاشعور يمكننا من فهم الجانب اللاواعي منها .

وهكذا يتضح ، أن الانسان يعيش حياة نفسية ذات جانبين : جانب شعوري يُمكِننا ادراكه والاطلاع عليه من خلال الشعور ، وجانب لاشعوري لا يمكن الكشف عنه الا من خلال التحليل النفسي ، مما يجعلنا نقول أن الشعور وحده غير كافٍ لمعرفة كل ما يجري في حيتنا النفسية .

  وبالتالي فإنّ الحياة النفسية تتأسس على ثنائية متكاملة قوامها الشعور واللاشعور، الشعور بحوادثه وأحواله التي بدونها لا يتأتى للإدراك وسائر الوظائف العقلية الأخرى أن تتفاعل فيما بينها أو مع العالم الخارجي، واللاشعور بمخزونه المتنوع كرصيد ثري يمكن في آن واحد من استكشاف تاريخ الفرد وكذا تقويم سلوكه.   

حــــــــــــــــــل المشكلــــــــــــــــــــــــة:   

من خلال ما سبق نستنتج أنه لا يمكن إهمال الجانب الشعوري لدى الإنسان ولا يمكن إنكار دور اللاشعور بعدما تمّ التدليل عليه، ومن ثمّة فالحياة النفسيّة عند الإنسان أصبحت بجانبين شعوريّة ولا شعوريّة باعتبار أنّ الشعور أمر لا يمكن إنكار وجوده، لكنّه لا يصاحب جميع أفعالنا ومادامت هناك أمور تفلت من الشعور فإنه يمكن ردّها إلى اللاشعور، فهو مركز الثقل في الحياة النفسية هذه الأخيرة التي تعبّر كلّ مرّة عن تعقّدها وانفلاتها من قبضة الإنسان وتحليلاته.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة
 
أفضل إجابة
شعبة الآداب وفلسفة .

هل يشكل الشعور مجمل الحياة النفسية؟

التصميم المنهجي للمقال:

المقدمة:

تمهيد وظيفي: الإنسان كائن له ميولات ورغبات وعواطف وذكريات....له حياة نفسية....

إبراز العناد الفلسفي والقلق الفكري: ولقد اختلف الفلاسفة والمفكرون وعلماء النفس حول الحياة النفسية وجوهرها وانقسموا إلى اتجاهين متعارضين......

صياغة السؤال: من هنا ورفعا للتعارض والجدال بين الموقفين حق لنا أن نتساءل: هل الحياة النفسية ترادف الحياة الشعورية؟ وبعبارة أدق: هل كل ما هو نفسي شعوري فقط؟

الموقف الأول: أنصار الشعور (الطرح الكلاسيكي). سقراط. ديكارت. برغسون . مونتاني. هوسرل. سارتر. هنري آي. ستيكال. باسكال....

المسلمة: الانطلاق من القاعدة الثنائية النفس والجسد.

كل ما هو شعوري نفسي وكل ما هو لا شعوري جسدي.

الأدلة والحجج:

*الحياة النفسية قائمة على الشعور وحده.

*كل نشاط نفسي شعوري.

*الشعور والنفس مترادفان.

*ما لا نشعر به فهو ليس من أنفسنا.

*النفس لا تنقطع عن التفكير وعن الشعور إلا إذا تلاشى وجودها.

*الحوادث اللاشعورية عبارة عن نشاطات فيزيولوجية آلية مرتبطة بالجسم (الدورة الدموية. انقسام الخلايا. نبضات القلب...).

*رفض أنصار هذا الاتجاه وجود نشاط نفسي لا شعوري.

*ديكارت: "لا وجود لحياة نفسية خارج الروح إلا الحياة الفيزيولوجية". "الشعور والنفس مترادفان".

*لا يمكن الجمع بين النقيضين.

*مين دوبيران: "لا توجد واقعة يمكن القول عنها أنها معلومة دون الشعور بها".

*وليام جيمس: "إن علم النفس هو وصف وتفسير الأحوال الشعورية من حيث هي كذلك".

*لو كان اللاشعور موجودا لكان قابلا للملاحظة، لكننا لا نشعر به داخليا عن طريق الشعور ولا يمكن ملاحظته خارجيا لأنه نفسي وما هو نفسي باطني وهذا يعني أنه غير موجود.

*ألان: "إن الإنسان لا يستطيع أن يفكر دون أن يشعر بتفكيره".

*سارتر: "إن مفهوم اللاشعور النفسي هو مفهوم متناقض إذ لا توجد إلا طريقة واحدة للوجود وهي أن أعي أنني موجود".

*لالاند: "الشعور هو حدس الفكر لأحواله وأفعاله".

*برغسون: علم النفس الاستبطاني: الإنسان يدرك ذاته مباشرة.

*لا نستطيع أن نقول عن الإنسان السوي أنه يشعر ببعض الأحوال ولا يشعر بأخرى ما دامت الديمومة والاستمرارية من خصائص الشعور، أي لا وجود لفاعلية أخرى تحكم السلوك سوى فاعلية الشعور والوعي.

*أكد كذلك "هنري آي" أن علم النفس التقليدي قام على المعقولية التامة وعلى التطابق المطلق بين الموضوع (النفس) والعلم به (الشعور) مؤكدا دعواه أن الشعور والحياة النفسية مترادفان.

*كذلك تعززت فكرة الشعور كأساس للحياة النفسية مع زعيم المدرسة الظواهرية "هوسرل" الذي أعطى بعدا جديدا للمبدأ الديكارتي وحوله إلى مبدأ جديد سماه "الكوجيتاتوم" ونصه: "أنا أفكر في شيء ما فذاتي المفكرة إذن موجودة". ومعناه أن الشعور لا يقوم بذاته وإنما يتجه نحو موضوعاته.

*كذلك من الفلاسفة المسلمين "إبن سينا" إذ يقول: "إن الشعور بالذات لا يتوقف أبدا".

*كما دعم هذا الموقف "هنري برغسون" الذي يرى أن الإنسان يدرك ذاته إدراكا مباشرا، والشعور عنده يمتاز بالديمومة والاستمرارية ولا يعرف الانقطاع يقول: "الشعور ليس ممتدا في المكان بل هو تدفق في الزمان".

النقد:

*لا ننكر أن الإنسان يعي ويشعر فهو يعيش معظم لحظات حياته واعيا لكن هذا الموقف يفسر بعض المواقف فقط، ويعجز عن تفسير أخرى.

*لا يوجد دليل يؤكد أن الحياة النفسية كلها شعورية وقابلة للملاحظة فهناك الكثير من الحالات التي نعجز عن تفسيرها شعوريا.

*قد يكون الإنسان قلقا ولا يدري سبب ذلك، وقد نميل إلى أشخاص أو ننفر منهم دون معرفة السبب.

*كما أن الإبداع الفني والعلمي لا يمكن تفسيرهما بالشعور (الشعراء. الأدباء. العلماء..).

بهذا يصبح جزء من السلوك الإنساني مجهولا وهذا تعطيل لمبدأ السببية.

*كما أن الملاحظة ليست دليلا على الوجود، حيث يمكن أن نستدل على وجود الشيء من خلال آثاره (الجاذبية، التيار الكهربائي...).

*نقد الاستبطان: لا يمكن للعين أن تشاهد نفسها. فلقد انتقد "أوغيست كونت" منهج الاستبطان القائم على الشعور كمصدر وحيد لفهم النفس: "لا يمكنني أن أنظر من النافذة وأن أشاهد نفسي في الآن عينه، وأن أسير في الشارع".

الموقف الثاني: أنصار اللاشعور: أنصار الطرح المعاصر (نظرية التحليل النفسي).

المسلمة: الشعور وحده عاجز عن تفسير كل ما يصدر عن النفس.

كل ما هو شعوري نفسي وليس كل ما هو نفسي شعوري فقط.

الأدلة والحجج:

*هناك الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين أشاروا إلى اللاشعور، لكن لا أحد منهم بنى نظرية متماسكة قاعدتها اللاشعور.

*شوبنهاور: "إن دوافعنا الشعورية ليست سوى واجهة تخبئ دوافعنا اللاشعورية".

*نيتشه: "القيم الأخلاقية تصدر غالبا عن غرائز أنانية عدوانية وجنسية".

*ما دام الشعور لا يستطيع أن يشمل كل ما يجري في الحياة النفسية فهذا يعني وجود نشاط نفسي غير مشعور به. الأمر الذي يدعو إلى افتراض وجود جانب آخر وهو اللاشعور، والذي يمثل مختلف الأحوال النفسية الخفية كالميول والرغبات والأفكار المكبوتة والتي لا ندرك حقيقتها أو نشاطها، والتي لها تأثير على سلوكاتنا.

*دافع عن اللاشعور الفرنسيان "برنهايم" و"شاركو" والنمساويان "بروير" و"فرويد".

*الشعور وحده عاجز وغير كاف لتفسير الحياة النفسية.

*الحياة النفسية تنقسم إلى شعورية ولا شعورية. واللاشعور هو الجانب الأعظم منها.

*مع أواسط القرن التاسع عشر بدأت ردة فعل ضد النظرة السلوكية كان سببها الظواهر المرضية كالهستيريا.

*وجود عمليات نفسية لا شعورية. دليل على وجود هذا الجانب الخفي والمظلم من حياتنا النفسية والذي إليه ترد أغلب سلوكاتنا.

* "بروير" و "فرويد" لاحظا على المصابين بالهستيريا والمترافق مع شلل اليدين أو الرجلين أو جمود الرقبة وصعوبة في استعادة الذكريات الأليمة ونوبات عصبية...يستعيدون حياتهم السوية بعد تذكر حادثة معينة مروا بها واستطاعوا روايتها.

*أثناء التنويم المغناطيسي لاحظ "فرويد" أن المريض يفضح ذكرياته الأليمة التي لم يكن يجرأ على فضحها من غير التنويم المغناطيسي سميت هذه الطريقة أيضا بالطريقة التطهيرية.

*عالج "فرويد" فتاة كانت تعاني من أمراض عصابية عديدة مثل: السل والسعال العصبي، وكشف التنويم أن لها ذكريات مكبوتة....بعدها اختفى مرضها وسعالها العصبي بعد أن ظهرت من جديد تلك الذكرى المكبوتة.

*انتقد "فرويد" هذه الطريقة لأنها ترهق المريض وتخيفه، والمريض قد يعود من جديد إلى حالته السابقة بعد فترة. كما أن هناك بعض المرضى يبدون مقاومة شديدة ويصعب تنويمهم.

وفيها أيضا كشف لأسرار المرضى.

*لجأ بعدها "فرويد" إلى التحليل النفسي التي تقوم على الحوار والتداعي الحر للأفكار والتي تهدف إلى اكتشاف اللاشعور ومن مظاهرها عدم مقاطعة المريض أثناء كلامه إلا عند الضرورة على أن لا يخفي المريض على الطبيب شيئا مهما بدا تافها أو مرفوضا أخلاقيا. والهدف هو إخراج تلك المكبوتات.

*مظاهر اللاشعور وآليات الدفاع (الحيل الدفاعية): الأحلام. هفوات اللسان. زلات القلم. النسيان. التقمص. النكوص. النكت والسخرية. التبرير. التعويض....الهستيريا.

*تقسيم فرويد للجهاز النفسي إلى ثلاث مستويات: الهو. الأنا. الأنا الأعلى.

* الغرائز عن "فرويد": غريزة الحياة وغريزة الموت.

* ركز "فرويد" أيضا على مرحلة الطفولة والتي يرى أنها سبب مأساة وبأس الإنسانية.

النقد: صحيح أن اكتشاف اللاشعور ساهم في علاج الكثير من الاضطرابات النفسية.

*تعتبر نظرية "فرويد" أول نظرية متكاملة في الشخصية. كما بين تأثير مرحلة الطفولة في نمو الشخصية.

*لكن اللاشعور يبقى مجرد افتراض فلسفي.

*تجارب "فرويد" اقتصرت على المرضى فقط.

*هذه الأطروحة حولت مركز الثقل إلى اللاشعور.

*بالغ فرويد حينما جعل الإنسان تحت رحمة الغرائز، ونفى عن الإنسان الحرية والاختيار والوعي.

التركيب: الحياة النفسية فيها جانبان جانب شعوري تعي فيه النفس أحوالها وجانب لا شعوري تفسر به باقي السلوكات الإنسانية. دون تغليب كفة أحدهما عن الأخرى.

الخاتمة: حل المشكلة.

ملاحظة: هذه مجرد رؤوس أقلام، وللتلميذ أن يستفيض بما يمتلكه من مكتسبات وتوظيف للأمثلة..والأقوال..

بالتوفيق..

اسئلة متعلقة

1 إجابة
سُئل منذ 4 أيام في تصنيف منوعات بواسطة friendm
1 إجابة
1 إجابة
سُئل مايو 1 في تصنيف منوعات بواسطة friendm
1 إجابة
مرحبًا بك إلى صديق الحلول، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...